FeaturedHome PageOpinionالقافلة

الجداريات والضوء الطليق

 كتب: عبد الله ناصف

محرر بقسم اللغة العربية

يوم الأحد الموافق السابع عشر من أكتوبر، كنت عائدًا من محاضراتي بعد يوم شاق، حينما وقعت عيناي كالعادة على جداريات ثورة يناير المتواجدة عند قاعة باسيلي وماري كروس. لكنها لم تكن موجودة هذه المرة. 

 ارتبكت وكنت على وشك تنظيم مظاهرة صامتة اليوم التالي بمكان الجداريات التي اختفت؛ لمطالبة إدارة الجامعة بشرح هذا الموقف غير المبرر بالمرة. فعلي بُعد بِضعة أيام من تنصيب أحمد دلال رئيسًا للجامعة قادمًا من قطر، تختفي الجداريات؟ كان في ذهني العديد من الأسئلة، حتى كُتب عن طريق حساب الجامعة على تويتر، أن الجداريات كان يتم ترميمها.

 لم أشعر باليأس قط، بل بالحيرة، فالسبب المُحرك والرئيسي لقدومي للقاهرة للدراسة هو هؤلاء الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل وطنٍ حُر، لا أُريد أن تكون قد أُهدرت كل هذه الدماء والأحلام هبائًا، لذا أنا هنا، أمام عيني كانت تُمحي آثارهم.

 وبالتالي، كلما مررت بوسط البلد، أو وقعت عيناي على إحدى هذه الجداريات التي طالما وقفت أمامها أُفكر واتدبر، كان ومازال كل ما يدور بعقلي، هو ألا أخذل هؤلاء الذين ضحوا ومازالوا يضحون، وأن أكمل مسيرتهم نحو وطنٍ أفضل. تضحياتهم بمثابة وقود لا ينفذ، ولا تنتهي صلاحيته، بالنسبة لي. 

 يصف هذه الفكرة بشكل لبق الشاعر الراحل أمل دنقل أدق الوصف حينما كتب:

 “ما أقسي الجدار..

عندما ينهض في وجه الشروق..

ربما ننفق كل العمر..

كي نثقب ثغرة..

ليمر النور للأجيال..

مرة..

ربما لو لم يكن هذا الجدار..

ما عرفنا قيمة الضوء الطليق.”

 غايتي هي هذه الثغرة، وكان اختفاء الجداريات بمثابة الجدار الذي ينهض في وجه الشروق.

 وبعد إعادة هيكلة وتصميم ميدان التحرير والمناطق المجاورة، وإزالة أغلب الفنون الجدارية المتواجدة بشارع محمد محمود والشوارع الأخرى المطلة على ميدان التحرير بشكل عام، كانت هذه الجداريات المتواجدة داخل حرم القاهرة الجديدة إحدى الانعكاسات الملموسة من ثورة يناير. فاعُدل الدستور، وغُيرت ملامح ميدان التحرير، وبهذا أصبحت هذه الجداريات التي تبعد نحو ثلاثين كيلومترًا من ميدان التحرير، هي الشاهد على ما حدث بميدان التحرير منذ قرابة العشر سنوات. 

 كانت المرة الأولي التي وقعت عيناي على هذه الجداريات كانت عام ٢٠١٩. تحديدًا بالثامن عشر من أغسطس حينما كنت أُكمل تقديمي بالجامعة. ذُهلت، ومازلت أُذهل، وسوف أظل آُذهل. 

وأريد أن أختتم مقالتي بعبارة مأخوذة من رواية جمهورية كأن، “كل شيئ في مصر كاذب ما عدا الثورة. الثورة وحدها هي الحقيقة، لذلك يكرهونها لأنها تفضح فسادهم ونفاقهم. مصر هي جمهورية كأن، ونحن قدمنا إلى المصريين الحقيقة فكرهونا من أعماق قلوبهم.”

 أُعيدت الجداريات بعد اختفائها ببضعة أيام.