Opinionالقافلة

انطواجتماعية

كتبت: سماء حسام

 

يمكنك تصنيفي -بين الانطوائية والاجتماعية- بالأكثر انطواجتماعية على الإطلاق، فمنذ نعومة أظافري، كنت أُفضِّل الجلوس بمفردي رغم قدرتي على الانخراط مع الآخرين بسهولة، حسنًا، لم تكن بتلك السهولة، حيث كان تفضيلي الشخصي البقاء في أحد الأركان للرسم عوضًا عن اللعب في ملاهي الحضانة، ولكنني لم أفزع عندما يأتي أحدهم يدعوني للانضمام لباقي الأطفال، بل وأُرحب بالفكرة حتى ينتابني الفتور الذي يلزمه بعض الدقائق بمفردي حتى استعيد نشاطي مجددًا.

 

بدء القلق يساور والداي خوفًا من أن أكون “انطوائية” غير منخرطة مع أبناء جيلي، وبسبب انفتاح الاجتماعيين على العالم الخارجي، ظنوا أنهم أكثر سعادة وموهبة عن الانطوائيين، ومع تزايد القلق، تزايد الضغط الأُسري يحثني على المشاركة في أنشطة جماعية لم تستهويني يومًا، وزاد البلاء طين عندما استحسنوا الأطفال الأكثر اجتماعية في محاولة تشجيعي على الامتثال لأفعالهم، ووصل الأمر إلى طلب أبي من أولئك الأطفال أن يعلموني سر خلطة “الاجتماعية”.

 

لم أكن اهتم كثيرًا بالصورة النمطية لبريق الاجتماعيين حتى التحقت بالمدرسة الابتدائية، لم أنكر يومًا أن السابقين لديهم بريقهم الخاص، قدرة على التحدث بسلاسة ويسر بما يزيد من اشراقتهم، وكسب الكثير والكثير من الأصدقاء بالفطرة، ولكن الصدمة عندما كان تفضيل المعلمين الأول، فعندما يأتي مشرف من وزارة التربية والتعليم، كان المعلمون يتهافتون لتقديم السابقين للزوار مهلهلين بمهاراتهم التي اعتاد الاجتماعيون إبرازها، وذلك يرجع لطبيعتهم في حب التعامل على الملأ عكس الانطوائيين الذين تكمن قدراتهم في المهارات الفردية.

 

في منتصف أربعينات القرن الماضي، اشتهر مؤشر تحليل الشخصية “Myers-Briggs Type Indicator”، والذي صممته كاثرين بريغز وابنتها إيزابيل مايرز، متأثرتان بنظريات علم النفس التي أطلقها كارل ينج، مؤسس علم النفس التحليلي، ويشير مؤشر مايرز إلى أنماط الشخصيات فيما يتعلق بكيفية رؤية الأشخاص للعالم الخارجي واتخاذ القرارات بما يناسب التفضيلات الشخصية.

 

يصف المؤشر الشخصيات الاجتماعية بأنها تستمد طاقتها من الأفعال سواء بممارستها أو تلقيها من الآخرين، على سبيل المثال، يفضل الاجتماعيون العمل في جماعة بسبب توافر الكثير من المثيرات التي تستوجب استجابة منهم بما يحقق استمداد الطاقة، كما تنخفض عزيمتهم عندما يستوجب عليهم السكون لمدة طويلة بسبب عدم تفاعلهم مع أنشطة جسدية، لذلك يجدوا طاقتهم تتجدد كلما تعاملوا مع أشخاص آخرين أو تواجدوا مع مجموعة، نتيجة لذلك نجدهم مفعمين بالطاقة في التجمعات والحفلات عكس الانطوائيين الذين يُنظر لهم على أنهم أكثر تحفظًا وانطفاءًا.

 

الانطوائية هى استمداد الطاقة من الذات العقلية بدلًا من الأفعال الحركية، فقبل العزم على القيام بأي فعل، عادة ما يفكرون ثم ينخرطون في العمل ثم يعودون للتفكير من جديد بما قاموا بفعله، لذلك نجدهم يفضلون الأنشطة الفردية التي تضمن لهم المزيد من الوقت للتفكير أثناء التفاعل مع النشاط، مثل القراءة، الكتابة، والرسم.

 

يفصل خط رفيع بين الرهاب الاجتماعي والانطوائية حيث أن الأول ينبع من الضيق بمخالطة الآخرين، ولكن الأخيرة مصدر قوة لصاحبها الذي يفضل مراقبة الموقف قبل المشاركة مع المجموعة، ولكنهم لا يخشون اللقاءات الاجتماعية بل “لا يفضلونها” فقط، لذلك لا يمكن تصنيف الأشخاص إلى انطوائي واجتماعي بشكل كلي دون إدراك أن هناك درجات لكل نمط منهم، فلطالما منطقة رمادية تخلط بين النمطين ولكن مع الميل إلى أحدهما دون الآخر.